ابن كثير
124
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
خلف وهو يقول : لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول اللّه يعطف عليه رجل منا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « دعوه » فلما دنا تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحربة من الحارث بن الصمة ، فقال بعض القوم فيما ذكر لي - فلما أخذها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء « 1 » عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ « 2 » منها عن فرسه مرارا . وذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة ، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، نحو ذلك . قال الواقدي : وكان ابن عمر يقول : مات أبي بن خلف ببطن رابغ ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي « 3 » من الليل ، إذا أنا بنار تأجج فهبتها ، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش ، وإذا رجل يقول : لا تسقه ، فإن هذا قتيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . هذا أبي بن خلف . وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق عن معمر ، عن همام بن منبه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اشتد غضب اللّه على قوم فعلوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو حينئذ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب اللّه على رجل يقتله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سبيل اللّه » وأخرجه البخاري أيضا من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : اشتد غضب اللّه على من قتله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده في سبيل اللّه ، واشتد غضب اللّه على قوم دمّوا وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » . قال ابن إسحاق « 5 » : أصيبت رباعية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وشج في وجنته ، وكلمت شفته ، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص ، فحدثني صالح بن كيسان ، عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال : ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضا في قومه ، ولقد كفاني فيه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اشتد غضب اللّه على من دمّى وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن الزهري ، عن عثمان الجزري ، عن مقسم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمّى وجهه ، فقال « اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا » فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار - وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة ، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي فروة ، عن أبي الحويرث ،
--> ( 1 ) الشعراء : قال ابن هشام : الشعراء ذباب له لدغ . ( 2 ) تدأدأ : تقلّب عن فرسه فجعل يتدحرج . ( 3 ) الهويّ من الليل : الساعة من الليل . ( 4 ) صحيح البخاري ( مغازي باب 24 ) وصحيح مسلم ( جهاد حديث 106 ) ( 5 ) سيرة ابن هشام 2 / 86 .